أبي نعيم الأصبهاني
142
حلية الأولياء وطبقات الأصفياء
وحذرا منها ، فإن الصالحين كذلك كانوا . واعلم يا ابن آدم أنك تطلب أمرا عظيما لا يقصر فيه إلا المحروم الهالك ، فلا تركب الغرور وأنت ترى سبيله ؛ ولا تدع حظك وقد عرض عليك ، وأنت مسؤول ومقول لك فاخلص عملك ، وإذا أصبحت فانتظر الموت ، وإذا أمسيت فكن على ذلك ولا حول ولا قوة إلا باللّه . وإن أنجى الناس من عمل بما أنزل اللّه في الرخاء والبلاء ، وأمر العباد بطاعة اللّه وطاعة رسوله ، فإنكم أصبحتم في دار مذمومة خلقت فتنة وضرب لأهلها أجل إذا انتهوا إليه يبيد . أخرج نباتها ، وبث فيها من كل دابة ، ثم أخبرهم بالذي هم إليه صائرون ، وأمر عباده فيما أخرج لهم من ذلك بطاعته ، وبين لهم سبيلها - يعنى سبيل الطاعة - ووعدهم عليها الجنة ، وهم في قبضته ليس منهم بمعجز له ، وليس شيء من أعمالهم يخفى عليه . سعيهم فيها شتى بين عاص ومطيع له ، ولكل جزاء من اللّه بما عمل ، ونصيب غير منقوص . ولم أسمع اللّه تعالى فيما عهد إلى عباده ، وأنزل عليهم في كتابه رغب في الدنيا أحدا من خلقه ، ولا رضى له بالطمأنينة فيها ، ولا الركون إليها ، بل صرف الآيات وضرب الأمثال بالعيب لها ، والنهى عنها ، ورغب في غيرها . وقد بين لعباده [ أن ] الأمر الذي خلقت له الدنيا وأهلها عظيم الشأن ، هائل المطلع ، نقلهم عنه - أراه إلى دار لا يشبه ثوابهم ثوابا ، ولا عقابهم عقابا ، لكنها دار خلود يدين اللّه تعالى فيها العباد بأعمالهم ثم ينزلهم منازلهم ، لا يتغير فيها بؤس عن أهلها ولا نعيم ، فرحم اللّه عبدا طلب الحلال جهده حتى إذا دار في يده وجهه وجهه الذي هو وجهه . ويحك يا ابن آدم ما يضرك الذي أصابك من شدائد الدنيا إذا خلص لك خير الآخرة ؛ أَلْهاكُمُ التَّكاثُرُ حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقابِرَ ؛ هذا فضح القوم . ألهاكم التكاثر عن الجنة عند دعوة اللّه تعالى وكرامته ، واللّه لقد صحبنا أقواما كانوا يقولون ليس لنا في الدنيا حاجة ، ليس لها خلقنا ، فطلبوا الجنة بغدوهم ورواحهم وسهرهم نعم واللّه حتى أهرقوا فيها دماءهم ورجوا فافلحوا ونجوا . هنيئا لهم لا يطوى أحدهم ثوبا ، ولا يفترشه ، ولا تلقاه إلا صائما ذليلا متبائسا